|
أسطورة الإصلاح الاقتصادي السوري
عبد العظيم محمود حنفي
أدى ركود الاقتصاد الذي تهيمن عليه الدولة في ظل انخفاض العون الخارجي,
مترافقاً مع النمو السكاني, إلى تآكل في نسبة الدخل القومي الخام إلى رأس
المال. لقد فاقت نسبة النمو السكاني السورية, وهي 2.6 في المئة سنوياً متوسط
معدل الدخل في البلاد, بينما تراجع دخل الفرد الذي بلغ 1010 دولار أميركي عام
2001 إلى ما دون ذلك المعدل.
ولم
تكن نسبة الادخار المحلي الشديدة الانخفاض (10.4 في المئة), ومعدل الاستثمار
المحلي البالغ 17 في المئة, بكافيين لتجديد النمو المستديم.
ورغم
أن بعض المساعدات التي أتت بها المقادير من حين لآخر, إضافة إلى الصادرات
النفطية, قد أمنت وقاية من أزمة اقتصادية فورية, إلا أن النخبة السورية أدركت
أن الحل الوحيد كامن, على المدى البعيد, في الانفتاح على السوق الرأسمالي
العالمي.
كان
النظام قد جرب, لبعض الوقت, إدخال الليبرالية الاقتصادية التي عنت إنعاش
القطاع الخاص وتشجيع الصادرات والسماح بدخول الاستثمارات (وخاصة الاستثمارات
المهاجرة); لكن المخزون المتراكم من الاستثمار الخارجي لم يبلغ عام 1998 إلا
8 في المئة من الناتج القومي الإجمالي.
والواقع
أن هناك عقبات ضخمة في طريق تحويل الاقتصاد السوري الذي تهيمن عليه الدولة.
فالركائز الأساسية للنظام, وخاصة العلويون المهيمنون سياسياً, شديدة الاعتماد
على القطاع الحكومي وعلى تحصيل الريع من خلال هيمنة الحكومة على الاقتصاد,
بينما يهيمن منافسوهم من رجال الأعمال السنيين على القطاع الخاص.
ومن
المؤكد أن الزيجات المتبادلة وعلاقات العمل كانت تدمج أقساماً من هاتين
الجماعتين في برجوازية جديدة تحقق أرباحاً في القطاع الخاص. لكن هذه الطبقة
مستمرة في كونها طبقة باحثة عن الريع, مستفيدة من احتكارات الاستيراد ومن
العقود التي تضمنها الحكومة, وهذا ما سيتعرض للخطر في حال إطلاق المنافسة في
سوق أكثر انفتاحا وشفافية.
ومن
بين العقبات التي تعيق الاندماج في السوق العالمي "العقد الاجتماعي" الذي,
بمقتضاه, تكون شرعية النظام مرهونة بتقديم الغذاء المدعوم, والتوظيف في
القطاع العام الضخم, والأسعار التشجيعية للمحاصيل الزراعية. لقد رفضت سورية
تاريخياً, وانطلاقًا من المبادئ القومية, التغييرات البنيوية المفروضة
خارجياً (صندوق النقد الدولي).
إن
قدرة النظام على نظام الولاء الذي يقوم عليه يجب أن تترافق مع انسحاب الدولة
من الاقتصاد. وفوق هذا, فالاستثمار الخاص يحتاج إلى مناخ استثماري سلمي
ومستقر مما يتطلب تسوية النزاعات الإقليمية.
وهذا
هو العامل الوحيد الذي يسمح بتفكيك دولة الأمن القومي القائمة على الريع
ويخفف مظاهر البيروقراطية وانعدام حكم القانون التي ترافقت معها. ويرى دعاة
الإصلاح أن الحل قائم على مزيج من التكامل الاقتصادي التدريجي مع الشركاء
التجاريين العرب وأوروبا, وتدفق الاستثمارات المهاجرة والأجنبية, يتبع
التسوية السلمية في المنطقة.
وقد
كان من المتوقع على نطاق واسع أن يؤدي ضعف القدرة على الحفاظ على الحالة
الراهنة إثر تغير القيادة عقب وفاة الرئيس حافظ الأسد, إلى نقطة تحول تطلق
الضغوط المكتومة المطالبة بالتغيير. وقد اعتبر بشار الأسد ممثلاً لجيل جديد
يحمل رؤية "تحديثية" تتضمن إحلال الليبرالية الاقتصادية, والتقليل من الفساد
الساعي وراء الريع, إلى جانب الانفتاح على الغرب.
والواقع
أن وراثة بشار لدولة أقامها والده, مع بقاء معاونيه في مناصبهم, تعني أن
سلطته الرئاسية تتطلب موافقة مراكز قوة متعددة: القيادة القطرية للحزب,
والوزارة, والقيادة العليا للجيش, وأجهزة الأمن التي ما زالت تحت نفوذ الحرس
القديم الذي تعين على الرئيس الجديد أن يتشاور معه ويقاسمه السلطة. لقد قام
منطق بشار, في محاولته إضفاء بريق جذاب على ما اعتبره البعض ورطة له, على أنه
ليس ديكتاتوراً قادراً على فرض طريق إصلاحي مقرر مسبقاً.
بل
عليه أن يعمل من خلال المؤسسات التي تتمثل فيها مصالح متعددة تعبر عن نفسها
شرعياً برؤى متباينة قيمة (طالما أن لا أحد يملك كل الأجوبة الصحيحة). كانت
مهمته التأليف بين هذه الرؤى لصنع القرار والدفع باتجاه تطبيقه عبر عملية
إصلاح تدريجي, لكنه متواصل.
وكانت
مشكلاته الكبرى نقص الكوادر المدربة لتطبيق القوانين الإصلاحية الجديدة التي
غالباً ما بقيت حبراً على ورق ومع أن بشار قد عكف على تكييف النظام الدولتي
(القائم على تحكم الدولة) مع العولمة عبر حملة مضادة للفساد, وتعيين عدد من
التكنوقراط الإصلاحيين في الحكومة, وتقييد تدخل الحزب وقوات الأمن في الإدارة
الاقتصادية, وكذلك عبر إقرار تشريعات تخلق إطار عمل صالح لاقتصاد أكثر توجهاً
نحو السوق - بما في ذلك الموافقة على قيام المصارف الخاصة, إلا أنه لم يقم
بأي هجوم مباشر على الطبقة الجديدة من "الرفاق والأقارب الرأسماليين", طبقة
التحالفات الباحثة عن الريع والمؤلفة من السماسرة السياسيين العلويين (والذين
تتزعمهم الآن أسرة والدته - أسرة مخلوف), ولا على طبقة البرجوازية السنية
المساندة للنظام التي منع فسادها الخانق القابض على الاقتصاد من وجود
استثمارات أكثر إنتاجية. ولم يكن إصلاح بشار التدريجي كافياً لتشجيع
الاستثمارات الخاصة الجديدة المهمة التي كان لا بد منها لإعطاء الاقتصاد دفعة
محركة.
*
خبير في الدراسات السياسية والستراتيجية - مصر
عبد العظيم محمود حنفي
mahmoudhanafia@yahoo.com
|